بطاريات السيارات الكهربائية بتقنية جديدة تنهي ارتفاع التكاليف

بطاريات السيارات الكهربائية بتقنية جديدة تنهي ارتفاع التكاليف

بتاريخ : ٢٩ يوليو ٢٠٢٥

في خطوة قد تعيد رسم ملامح صناعة السيارات الكهربائية بأكملها كشف باحثون عن تقنية جديدة ومبتكرة تبشر بإنهاء واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه هذا القطاع الواعد وهي التكلفة الباهظة للبطاريات فضلا عن تعزيز بصمتها البيئية الإيجابية فهذا الاختراق العلمي لا يعد فقط بخفض الأسعار بل يفتح الباب أمام بطاريات ذات سعة تخزين أعلى وأداء أكثر كفاءة، يأتي هذا الأمل الجديد من مختبرات معهد سكولتيك المرموق للعلوم والتكنولوجيا في العاصمة الروسية موسكو حيث نجح فريق من العلماء في استكشاف مواد بديلة واعدة لاستخدامها كعنصر أنود في البطاريات وهو القطب الحيوي الذي يلعب دورا محوريا في أداء وكفاءة جميع الأجهزة الكهربائية بدءا من الهواتف الذكية ووصولا إلى السيارات الكهربائية التي تجوب شوارعنا.

لماذا يمثل الغرافيت عقبة في طريق السيارات الكهربائية؟

تعتمد بطاريات الأيونات المعدنية المنتشرة حاليا وعلى رأسها بطاريات الليثيوم أيون بشكل أساسي على معدن الغرافيت كمادة رئيسية لتصنيع قطب الأنود وعلى الرغم من فعاليته إلا أن استعمال هذا المعدن لا يزال محفوفا بالعديد من العيوب الجوهرية التي تقف حائلا أمام الانتشار الكامل للسيارات الكهربائية وجعلها في متناول الجميع.

أبرز هذه العيوب هي السعة التخزينية المنخفضة نسبيا للغرافيت مما يحد من المدى الذي يمكن للسيارة أن تقطعه بشحنة واحدة كما أن تكلفته المرتفعة تساهم بشكل كبير في رفع السعر النهائي للسيارة الكهربائية وهذه القيود لا تؤثر على السيارات فحسب بل تمتد لتشمل عمر البطارية في الهواتف وأجهزة الحاسوب المحمولة وغيرها من المعدات الإلكترونية.

والأمر لا يتوقف عند الجانب الاقتصادي أو التقني فالغرافيت الصناعي المستخدم في البطاريات هو منتج مشتق من النفط وتتطلب عملية إنتاجه تسخينه إلى درجات حرارة فائقة تصل إلى 3000 درجة مئوية داخل أفران ضخمة تعمل غالبا بالفحم وهذه العملية الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة وتنتج عنها كميات هائلة من الانبعاثات الكربونية الضارة بالبيئة.

ما هي المادة السحرية التي قد تغير مستقبل البطاريات؟

الحل المبتكر الذي قدمه باحثو معهد سكولتيك يعتمد على عائلة من المركبات الكيميائية تعرف باسم المواد الهيدروكربونية العطرية متعددة الحلقات (PAHs) وهذه المواد العضوية ليست غريبة أو نادرة بل هي نتاج طبيعي لعملية احتراق المواد العضوية عند درجات حرارة منخفضة أو من خلال عملية التحلل الحراري لتلك المواد.

الفكرة الثورية تكمن في تحويل هذه المواد الهيدروكربونية إلى بلورات نقية يمكن استخدامها بعد ذلك مباشرة في تصنيع أنودات بطاريات السيارات الكهربائية وقد جاءت النتائج الأولية التي نشرتها دورية "ذا إنرجي ستوريج" المتخصصة مبشرة إلى أقصى حد وتفوق كل التوقعات.

الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات كيف ستنهي عصر الغرافيت؟

تمتلك هذه المركبات العضوية خصائص فريدة تجعلها المرشح المثالي لخلافة الغرافيت في عرش مواد الأنود فهي تتميز بسعة نظرية مرتفعة وفرق جهد عامل منخفض وموصلية إلكترونية عالية وكلها صفات أساسية لتصنيع أنود عالي الأداء.

الأهم من ذلك هو الجانب الاقتصادي فتكلفة إنتاج هذه المواد أرخص بكثير مقارنة بالتكلفة الباهظة لإنتاج الغرافيت الصناعي وهذا الانخفاض في تكلفة المكون الرئيسي للبطارية سينعكس مباشرة على السعر النهائي للسيارات الكهربائية مما يسرع من وتيرة انتشارها على نطاق عالمي واسع.

اقرا ايضا: وداعا لمصاريف البطارية المتكررة: الدليل العملي لإطالة عمرها 

كيف تمكن العلماء الروس من تحقيق هذا الإنجاز؟

أوضح الباحث إيليا تشيبكاسوف المؤلف الرئيسي للدراسة أن المجتمع العلمي كان يتطلع خلال السنوات القليلة الماضية إلى استغلال المواد العضوية لتصنيع أقطاب الأنود لما تتمتع به من سعر منخفض وسعة عالية وفي هذا البحث الجديد ركز الفريق على أربعة أنواع محددة من الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات وهي.

النفثالين

الأنثراسين

التيتراسين

البنتاسين

لم يكتف الباحثون بذلك بل قاموا بدمج ذرات معادن مختلفة ضمن البنية البلورية لهذه الهيدروكربونات حيث اختبروا تفاعل هذه البلورات مع مجموعة من المعادن القلوية والقلوية الترابية التي تستخدم حاليا في أنواع مختلفة من بطاريات الأيونات المعدنية وشملت هذه المعادن الليثيوم والصوديوم والبوتاسيوم والروبيديوم والمغنيسيوم والكالسيوم.

ما هو السر العلمي وراء تفوق هذه التقنية الجديدة؟

أحد التحديات العلمية الدقيقة التي واجهها الفريق كان التعامل مع ما يعرف بتفاعلات "فان دير فالس" وهي قوى جذب ضعيفة تنشأ بين الجزيئات والذرات وتؤثر على دقة الحسابات النظرية لطاقة تداخل واندماج ذرات المعدن داخل بلورات الهيدروكربونات العطرية.

وقد نجح الباحثون في فحص استراتيجيات مختلفة وتصحيح تأثير هذه التفاعلات مما سمح لهم بالوصول إلى حسابات دقيقة وتنبؤات صحيحة لأداء هذه المواد وهو ما يمثل بحد ذاته إنجازا علميا يفتح آفاقا جديدة في مجال تصميم مواد البطاريات اعتمادا على النمذجة الحاسوبية.

كم تزيد السعة التخزينية للبطاريات الجديدة مقارنة بالغرافيت؟

كانت النتائج العملية والنظرية للدراسة هي الجزء الأكثر إثارة للدهشة حيث أظهرت تفوقا كاسحا للمواد الجديدة على الغرافيت التقليدي وأكد البروفيسور أليكسندر كفاشين المشارك في تأليف الدراسة أن سعة بلورات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات مع جميع المعادن التي تم اختبارها تتجاوز بشكل كبير القيم المعيارية لأنود الغرافيت ويمكن تلخيص الزيادة في السعة التخزينية كما يلي:

مع الليثيوم والصوديوم والبوتاسيوم والروبيديوم: زادت السعة التخزينية بمعدل يتراوح بين 1.2 إلى 1.3 مرة مقارنة بالغرافيت.

مع المغنيسيوم والكالسيوم: كانت القفزة هائلة حيث ارتفعت السعة التخزينية بمعدل يتراوح بين 2.3 إلى 2.6 مرة مقارنة بالغرافيت.

اقرا ايضا: قبل الاستبدال.. تعرف على انواع بطاريات السيارات

ما هي المزايا الكاملة التي تقدمها أنودات الهيدروكربونات العطرية؟

إن فوائد هذه التقنية الجديدة متعددة الأوجه ولا تقتصر فقط على خفض التكلفة وزيادة السعة بل تمتد لتشمل تحسينات جوهرية في أداء وسلامة واستدامة البطاريات ويمكن لهذه المواد أن تعزز بشكل كبير من كثافة استهلاك الكهرباء في البطارية مما يعني طاقة أكبر في حجم أصغر ووزن أخف.

علاوة على ذلك فإنها تقلل من الحاجة إلى استعمال بعض المعادن النادرة والمحدودة مثل الليثيوم وتضمن تفاعلا سريعا جدا بين عملية شحن البطارية وتفريغها مما يعني أوقات شحن أسرع كما أنها تقلل من مشكلة التشوه الحجمي للأقطاب الكهربائية أثناء الشحن والتفريغ وهي مشكلة تؤثر على عمر البطارية وسلامتها.

فجر جديد لبطاريات السيارات الكهربائية

يمثل هذا الاكتشاف الذي توصل إليه باحثو معهد سكولتيك أكثر من مجرد تحسين تدريجي في تكنولوجيا البطاريات بل هو قفزة نوعية قد تمثل بداية النهاية لعصر الغرافيت وتدشن فجرا جديدا لصناعة السيارات الكهربائية فمن خلال الاعتماد على مواد عضوية رخيصة وفعالة وصديقة للبيئة أصبح حلم امتلاك سيارة كهربائية عالية الأداء بسعر معقول أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

إن هذه التقنية الواعدة لا تقدم حلا لمعضلة التكلفة والسعة فحسب بل تعيد تعريف مفهوم البطارية المستدامة وتفتح الباب أمام جيل جديد من حلول تخزين الطاقة التي ستكون حجر الزاوية في التحول العالمي نحو مستقبل خال من الكربون ومستقبل تكون فيه القيادة الكهربائية هي الخيار الأمثل للجميع.